محمد بن وليد الطرطوشي
449
سراج الملوك
السلام ، انطلق إلى الحمّام ومعه جنىّ - يقال له : صخر - ولم يكن سليمان عليه السلام يدخل الخلاء بالخاتم ، فدخل الحمام وأعطى الشيطان خاتمه ، فألقاه في البحر ، فالتقمته سمكة ، ونزع ملك سليمان منه ، وألقى على الشيطان شبه سليمان ، فجاء فجلس على كرسيه ، وسلط على جميع ملك سليمان غير نسائه ، فجعل يقضى بين الناس ، والناس ينكرون قضاياه ، حتى قالوا : لقد فتن نبيّ الله سليمان . ومكث على ذلك أربعين يوما ، ثم أقبل في حالته تلك وهو جائع نائع « 1 » ، حتى انتهى إلى صيادين في البحر ، فاستطعم أحدهم من صيده وقال له : أنا سليمان . فقام إليه بعضهم فضربه بعصا فشجّ وجهه ، فجعل يغسل دمه على شاطئ البحر ، فلام الصيادون صاحبهم على ضربه إياه ، ثم أعطوا سليمان سمكتين مما قد تغير عندهم ونتن . ولم يشغله ما كان فيه من الضرب ، عن أن يقوم إلى شاطئ البحر ، فشق بطونهما وغسلهما ، فوجد خاتمه في بطن أحدهما ، فأخذه فلبسه فرد الله عليه بهاءه وملكه ، وجاءت الطير فحامت عليه ، فعرف القوم إنه سليمان ، فجاءوا يعتذرون إليه . إبراهيم وولده الذبيح عليهما السلام « * » : وروى وهب بن منبه : أن الله تعالى وهب لإبراهيم إسحاق « 2 » ، فلما كان ابن
--> ( 1 ) نائع : عطشان ، وقيل جائع ، فيقال : ( فلان جائع نائع ) ، قال ابن منظور في لسان العرب ( 8 / 360 ) : سئلت هند ابنة الحسن ما أشد الأشياء ؟ فقالت : « ضرس جائع يقذف في معي نائع » . * من إضافات المحقق . ( 2 ) اختلف أهل التأويل في الذبيح من أبناء إبراهيم عليه السلام ، فمنهم من قال إسحاق عليه السلام ، ومنهم من قال إسماعيل عليه السلام ، وكلّ له أدلته المنثورة في كتب التفسير وغيرها ، وأسوق هنا رأي ابن كثير ، فقد قال : الذبيح هو إسماعيل عليه السلام وليس إسحاق ، وذلك هو المشهور والمجمع عليه من العلماء والذي نص عليه القرآن الكريم ، لأن الله تعالى بعد أن ذكر قصة الذبيح بشر إبراهيم بولد آخر اسمه إسحاق ، فالإتيان بالبشرى بإسحاق بعد ذكر قصة الذبيح . وقد قال : ولد إسماعيل وعمر إبراهيم ست وثمانين سنة وولد له إسحاق وعمره تسع وتسعون سنة ، وعندهم ( أي أهل الكتاب ) أن الله أمر إبراهيم أن يذبح وحيده . لذلك أقحم هنا أهل الكتاب ( إسحاق ) كذبا وبهتانا ، وذلك لأنه أبوهم ، أما إسماعيل فهو أبو العرب ، فحسدوهم وحرّفوا الوحيد حيث كان إسماعيل مع أمه في مكة ، وهذا تأويل وتحريف باطل ، حيث أن كتاب الله شاهد ومرشد إلى أنه إسماعيل والله أعلم - [ انظر : تفسير ابن كثير في سورة الصافات - البداية والنهاية 1 / 159 ، وقصص الأنبياء ص 145 ، وانظر كذلك ( مع الأنبياء في القرآن الكريم عفيف طبارة ص 127 ] .